القاضي عبد الجبار الهمذاني
91
المغني في أبواب التوحيد والعدل
واعلم أن اللطف في كونه لطفا في الأفعال يجرى مجرى الدواعي ، لأنه يختار عنده ما لولاه كان لا يختاره . وقد بينا في باب التعديل والتجوير أن المعتبر في الدواعي ما عليه القادر من المعرفة والظنّ والاعتقاد ، ولا يعتبر بالأشياء التي هي المعلومات ؛ لأنه إذا كان مشتهيا وظنّ أنه لا يشتهى لم يدعه ذلك إلى الفعل ، وإذا علم ذلك دعاه إلى الفعل . ولو ظنه - والمظنون على خلافه - لكان قد يدعوه إلى الفعل . فإذا صح ذلك فما الّذي يمنع فيما لا يدرك إذا علمه المكلف على الوجه الّذي يدعو إلى الفعل أن يكون لطفا ، كما يصح مثله مما يدرك ؟ وإن كان عنده - رحمه اللّه - المتقدّم من اللطف يدعوه إلى الفعل وإن تقضى وعدم في حال ما يختار الفعل ويؤثره ، فهلا جاز فيما لا يدرك أصلا أن يحل هذا المحل ؟ فإن قال : فيجب على هذا القول أن تجوزوا في الاعتقاد والإرادة هذه / ( « 1 » ) ، وقد بينا في غير موضع أن المعرفة لو حصل فيها استفساد قبحت ، وأن هذا هو الصحيح . فإن قيل : فيجب فيما لا يعلم إلا بدليل أن تجوّزوا كونه لطفا ؛ ومتى جوّزتم ذلك فلا فرق بين أن يوجد ويعرف المستدل حاله ، وبين أن يعلم بالدليل ما هو عليه ، وهذا يوجب في كثير من الألطاف أن وجودها كعدمها « 2 » . قيل له : ينبغي أن يعتبر الوجه الّذي له يكون لطفا ، وإن كان لا يصح من المكلف أن يعرفه إلا بالمشاهدة ؛ فالواجب أن يوجد ويشاهد . وإن كان لا يتم
--> ( 1 ) مطموس في الأصل . ( 2 ) في الأصل : « وجوده كعدمه » ولا بأس به .